أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
295
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
ذلك ، ومعنى تهوى : تحبّ وتختار . وأصل الهوى : الميل ، سمّي بذلك لأنه يهوي بصاحبه في النار ولذلك لا يستعمل غالبا إلا فيما لا خير فيه ، وقد يستعمل فيما هو خير ، ففي الحديث الصحيح « 1 » قول عمر في أسارى بدر : « فهوي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت » . وعن عائشة رضي اللّه عنها : « واللّه ما أرى ربّك إلا يسارع في هواك » وجمعه أهواء ، قال تعالى : بِأَهْوائِهِمْ « 2 » ، ولا تجمع على أهوية وإن كان قد جاء : ندى وأندية قال الشاعر : 610 - في ليلة من جمادى ذات أندية * لا يبصر الكلب في ظلمائها الطّنبا « 3 » وأمّا « هوى يهوي » بفتحها في الماضي وكسرها في المضارع فمعناه السقوط ، والهويّ - بفتح الهاء - ذهاب في انحدار ، والهويّ ذهاب في صعود ، وسيأتي تحقيق كلّ ذلك ، وأسند الفعل إلى الأنفس دون المخاطب فلم يقل : « بما لا تهوون » تنبيها أنّ النفس يسند إليها الفعل السّيّئ غالبا نحو : إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ « 4 » بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ « 5 » فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ « 6 » واستكبر بمعنى تكبّر . قوله : فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ الفاء عاطفة جملة « كذّبتم » على « استكبرتم » و « فريقا » مفعول مقدّم قدّم لتتفق رؤوس الآي ، وكذا « وفريقا تقتلون » ، ولا بدّ من محذوف أي : فريقا منهم ؛ والمعنى أنه نشأ عن استكبارهم مبادرة فريق من الرسل بالتكذيب ومبادرة آخرين بالقتل ، وقدّم التكذيب لأنه أول ما يفعلونه من الشرّ ولأنه مشترك بين المقتول وغيره ، فإنّ المقتولين قد كذّبوهم أيضا ، وإنما لم يصرّح به لأنه ذكر أقبح منه في الفعل . وجيء ب « تقتلون » مضارعا : إمّا لكونه مستقبلا لأنهم كانوا يرومون قتل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولما فيه من مناسبة رؤوس الآي والفواصل ، وإمّا أن يراد به الحال الماضية لأن الأمر فظيع فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب . وأجاز الراغب أن يكون « ففريقا كذّبتم » معطوفا على قوله « وأيّدناه » ويكون « أفكلما » مع ما بعده فصلا بينهما على سبيل الإنكار ، والأظهر هو الأول ، وإن كان ما قاله محتملا . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 88 إلى 89 ] وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ ( 88 ) وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ ( 89 ) قوله تعالى : قُلُوبُنا غُلْفٌ . . مبتدأ وخبر ، والجملة في محلّ نصب بالقول قبله ، وقرأ الجمهور : « غلف » بسكون اللام ، وفيها وجهان : أحدهما - وهو الأظهر - : أن يكون جمع « أغلف » كأحمر وحمر وأصفر وصفر ، والمعنى على هذا : أنها خلقت وجبلت مغشّاة لا يصل إليها الحقّ استعارة من الأغلف الذي لم يختتن .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 3 / 1385 ) في كتاب الجهاد والسير باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم . ( 2 ) سورة الأنعام ، آية ( 119 ) . ( 3 ) البيت لمرة بن محكان انظر الخصائص ( 3 / 52 ) ، المقتضب ( 3 / 81 ) ، أوضح المسالك ( 3 / 242 ) . ( 4 ) سورة يوسف ، آية ( 53 ) . ( 5 ) سورة يوسف ، آية ( 18 ) . ( 6 ) سورة المائدة ، آية ( 30 ) .